شهدت التكنولوجيا القابلة للارتداء قفزة نوعية هائلة، مما قرّبنا خطوةً نحو مستقبلٍ تُدمج فيه الإلكترونيات بشكلٍ شبه غير مرئي في أجسامنا. لم نعد نتحدث فقط عن الساعات الذكية أو أجهزة تتبع اللياقة البدنية، بل عن أجهزة إلكترونية بالغة الرقة تلتصق مباشرةً بالجلد. وقد قاد فريقٌ من معهد علوم المواد في مدريد، التابع للمجلس الأعلى للبحوث العلمية (CSIC)، إنجازًا رائدًا يُتيح تصنيع هذه المستشعرات اقتصاديًا وعلى نطاق واسع، باستخدام مفهومٍ مألوفٍ لدينا جميعًا منذ الصغر: الوشوم المؤقتة.
يُقدَّم هذا النظام الجديد، الذي نُشرت تفاصيله في مجلة ACS Nano العلمية المرموقة، كحلٍّ مثاليٍّ للطب الشخصي. وبفضل مرونته وقابليته للتكيّف ، يُمكنه التكيّف مع الأسطح الخشنة أو المنحنية، كالمفاصل أو الأنسجة الحيوية، دون التأثير على أدائه الكهربائي. ويحظى المشروع بدعم مبادرة أوروبية، ويُبشِّر بتوفير أدوات تشخيصية مستمرة للجميع بفضل سهولة إنتاجه.
مستشعرات تلتصق مثل ملصقات الماء

يكمن سر هذا الاختراع في استخدام أوراق النقل التجارية، وهي نفسها المستخدمة في الوشم المؤقت للأطفال. وكما أوضح أندريس كاستيلانوس غوميز، الباحث الرئيسي في المشروع، تُعد هذه الأوراق ركائز مثالية للإلكترونيات الحديثة ، إذ تُسهّل نقل الدوائر المعقدة إلى أسطح صعبة كالزجاج والبلاستيك وحتى جلد الإنسان. فعند ترطيب الورقة، تنفصل الدائرة وتلتصق بدقة في المكان المطلوب.
لتحقيق فعالية هذه الوشوم، استخدم العلماء مواد فان دير فالس، وهي أشباه موصلات ثنائية الأبعاد. وتكمن ميزة هذا النهج في إمكانية تصنيع كواشف ضوئية وترانزستورات تعمل بجهد منخفض وحساسية عالية. وعلى عكس الطرق المختبرية الأخرى البطيئة والمكلفة، تستفيد هذه التقنية من المواد المترابطة التي تحافظ على خصائصها حتى عند تعرض السطح الذي توضع عليه للتشوه أو الحركة المستمرة.
طريقة تصنيع فعالة وقابلة للتطوير
يكمن الابتكار التقني الحقيقي في عملية حاصلة على براءة اختراع من قبل باحثين إسبان تُعرف باسم التقشير الميكانيكي المتواصل. يستخدم هذا النظام أسطوانتين متقابلتين لمعالجة المواد وهي جافة، متجنباً استخدام المذيبات السائلة التي غالباً ما تُؤثر سلباً على جودة المكونات الإلكترونية. يُعد هذا النظام بديلاً أنظف وأكثر فعالية من التبخير الكيميائي أو الطباعة التقليدية، وكلاهما يتطلب بنية تحتية باهظة التكلفة لا تستطيع جميع المراكز تحملها.
بفضل هذه الآلية، يُمكن إنتاج أغشية أشباه موصلات كبيرة الحجم وجاهزة للنقل. وقد أثبت استخدام ثاني كبريتيد الموليبدينوم فعاليته بشكل خاص في هذه الأجهزة ، مما يُمكّن الثرمستورات وغيرها من أجهزة الاستشعار من قياس درجة الحرارة أو نشاط العضلات بدقة مذهلة. ولأنها عملية قابلة للتطوير، يبدو الانتقال من النموذج الأولي المختبري إلى الإنتاج الصناعي وشيكًا، مما يُسهّل تطبيقها في المستشفيات والمراكز الرياضية.
ما وراء الجلد: تطبيقات في النباتات والمنسوجات
رغم أن التطبيقات الطبية هي الأكثر وضوحًا، إلا أن إمكانيات هذه الوشوم الإلكترونية لا تقتصر على ذلك. فقد وجد الباحثون أنه يمكن نقل هذه الدوائر بنجاح إلى أوراق النباتات والجلود الصناعية، مما يفتح المجال لتطبيقات في الزراعة وصناعة الأزياء الذكية. تخيل قميصًا قادرًا على تسجيل مؤشراتك الحيوية دون الحاجة إلى أسلاك أو أجهزة استشعار صلبة تعيق حركتك؛ هذا هو الهدف تحديدًا لهذه الإلكترونيات من الجيل القادم.
تتمتع هذه المنصة التكنولوجية بإمكانية تغيير طريقة تفاعلنا مع بيئتنا وصحتنا. فدمج المواد المتطورة مع استراتيجيات نقل بسيطة كالملصقات يُنتج نظامًا عمليًا عالي الأداء. في عالمٍ تُعد فيه سرعة الحصول على البيانات أمرًا بالغ الأهمية، فإن وجود أجهزة استشعار دقيقة تندمج بسلاسة في جسم الإنسان سيسهل مراقبة المرضى المصابين بأمراض مزمنة، ويُحسّن الوقاية من الأمراض من خلال مراقبة مستمرة وغير محسوسة.