
على الرغم من أن الدماغ البشري لا يمثل سوى 2% من وزن الجسم، إلا أنه يستهلك ما يقارب 20% من الطاقة التي نتناولها يوميًا. هذا الاستهلاك العالي للطاقة يجعله عضوًا شديد الحساسية لما يصل إليه عبر مجرى الدم: من مغذيات ودهون وفيتامينات، وحتى المواد الزائدة التي قد تُلحق الضرر بالأوعية الدموية الدقيقة. لا يضمن النظام الغذائي ذاكرة مثالية، ولكنه يلعب دورًا في البيئة التي يعمل فيها الانتباه والاسترجاع. في السنوات الأخيرة، تراكمت لدى العلم أدلة قوية تربط أنماطًا غذائية معينة بصحة الدماغ، وقد أُجريت العديد من أهم الدراسات في أوروبا، بمشاركة مراكز بحثية إسبانية.
أظهرت أبحاث حديثة، مثل تلك التي قادتها جامعة كوليدج لندن ومعهد برشلونة للصحة العالمية (ISGlobal)، أن الالتزام بنظام البحر الأبيض المتوسط الغذائي يرتبط بتحسن الصحة النفسية لدى الأشخاص فوق سن الخمسين. حللت الدراسة، المنشورة في مجلة BMJ Open، بيانات أكثر من 3.200 مشارك في الدراسة الطولية للشيخوخة في إنجلترا (ELSA)، ووجدت أن أولئك الذين اتبعوا هذا النمط الغذائي بدقة أكبر سجلوا درجات أعلى في الاستقلالية، والاستمتاع بالحياة، والشعور بالهدف، حتى بعد تعديل العوامل الاجتماعية والاقتصادية وأعراض الاكتئاب. علاوة على ذلك، خلال جائحة كوفيد-19، كان الضيق النفسي أقل وضوحًا بين أولئك الذين حافظوا على نظام البحر الأبيض المتوسط الغذائي، مما يشير إلى تأثير وقائي محتمل.
حمية البحر الأبيض المتوسط، نمط غذائي يعتني بالدماغ

يُعدّ النظام الغذائي المتوسطي، القائم على الفواكه والخضراوات والبقوليات والأسماك وزيت الزيتون البكر الممتاز والمكسرات، موضوعًا للعديد من الدراسات لفوائده على صحة القلب والأوعية الدموية. ويركز البحث حاليًا على تأثيره على الدماغ. وقد وفّر مشروع PREDIMED-Plus، أحد أكبر التجارب السريرية في أوروبا حول النظام الغذائي ونمط الحياة، بياناتٍ أساسية. قيّم فريقٌ من جامعة روفيرا إي فيرجيلي (URV) ومعهد كاتسود للأبحاث الطبية الحيوية (IRBCatSud) ومركز CIBEROBN أكثر من 6.600 مشارك تتراوح أعمارهم بين 55 و75 عامًا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة ومتلازمة التمثيل الغذائي على مدى عامين. تُظهر النتائج، المنشورة في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية، أن زيادة تناول الكولين والبيتين يرتبط بتحسنٍ في الوظائف الإدراكية، مثل الانتباه واللغة والوظائف التنفيذية. يُعدّ الكولين، الموجود في البيض والأسماك واللحوم الخالية من الدهون ومنتجات الألبان، ضروريًا لتكوين أغشية الخلايا وإنتاج الأستيل كولين، وهو ناقل عصبي رئيسي للذاكرة والتعلم. البيتين، الموجود بكثرة في الحبوب الكاملة والسبانخ والبنجر والمحار، يشارك في العمليات الأيضية وحماية الخلايا.
الكولين والبيتين: عنصران غذائيان يُحدثان فرقاً

أشار باحثون في جامعة روفيرا فيرجيلي (URV) إلى أن الأفراد الذين تناولوا أعلى كميات من الكولين أظهروا تحسنًا في الانتباه والمهارات اللغوية على مدى عامين، بينما ارتبط البيتين بالحفاظ بشكل ملحوظ على الوظائف التنفيذية واللغة. وتعزز هذه النتائج فكرة أن العناصر الغذائية الموجودة في الأطعمة الشائعة الاستهلاك يمكن أن تساهم في الحفاظ على بعض القدرات المعرفية مع التقدم في السن. ويؤكد جوردي سالاس-سلفادو، أستاذ التغذية في جامعة روفيرا فيرجيلي والباحث الرئيسي في دراسة PREDIMED-Plus، على أن "لدينا أدلة متزايدة على أن النظام الغذائي يؤثر أيضًا على صحة الدماغ". ومع ذلك، يشدد الباحثون على ضرورة إجراء دراسات متابعة طويلة الأمد لتأكيد هذه الفوائد وتحديد دورها المحتمل في الوقاية من التدهور المعرفي والخرف.
المكسرات، وجبة خفيفة تعزز الذاكرة

تحتل المكسرات مكانة بارزة في حمية البحر الأبيض المتوسط نظرًا لقيمتها الغذائية العالية. وقد لاحظت دراسة نُشرت عام ٢٠٢٣ أن تناول المكسرات بشكل متكرر لدى كبار السن المعرضين لخطر التدهور المعرفي يرتبط بتحسن عام في الأداء المعرفي على مدى عامين. يوفر الجوز واللوز والفستق والبندق فيتامين هـ والمغنيسيوم والدهون غير المشبعة والبوليفينولات، وهي مركبات تحمي الخلايا العصبية من الإجهاد التأكسدي وتحسن تدفق الدم إلى الدماغ. تتراوح الحصة الموصى بها بين ٢٥ و٣٠ غرامًا يوميًا، ويفضل تناولها نيئة أو محمصة بدون إضافة ملح أو سكر. يُعدّ إدراجها في وجبة الإفطار، أو كوجبة خفيفة، أو في السلطات طريقة سهلة لدعم الذاكرة طويلة المدى والتركيز.
نمط العقل واستراتيجيات تكميلية أخرى
إلى جانب حمية البحر الأبيض المتوسط التقليدية، أظهر نمط MIND (مزيج من حمية البحر الأبيض المتوسط وحمية DASH) نتائج واعدة. فقد تابعت دراسة أجراها مركز راش في شيكاغو، ونُشرت في مجلة الزهايمر والخرف عام 2015، 923 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 58 و98 عامًا لمدة خمس سنوات تقريبًا، ووجدت أن أولئك الذين اتبعوا هذا النمط باستمرار انخفضت لديهم حالات الإصابة بمرض الزهايمر بنسبة 53%. حتى الالتزام المعتدل بالنظام الغذائي ارتبط بانخفاض بنسبة 35%. وتشمل الأطعمة الأبرز في هذا النمط الخضراوات الورقية الخضراء، والتوت، وزيت الزيتون البكر الممتاز، والأسماك الدهنية، والمكسرات، والبقوليات، بينما يُحدّ من تناول اللحوم المصنعة والمعجنات والأطعمة المقلية. وعلى الرغم من أن تجربة لاحقة لم تجد فروقًا ذات دلالة إحصائية في الاختبارات المعرفية، يشير الخبراء إلى أن هذا النظام الغذائي يُؤثر ببطء وبالتزامن مع عادات أخرى مثل النوم والرياضة وضبط ضغط الدم.
تشير الأدلة الحالية مجتمعةً إلى أن اتباع نظام غذائي غني بالأطعمة النباتية والأسماك وزيت الزيتون والمكسرات، إلى جانب تناول البيض ومنتجات الألبان باعتدال، يُسهم في الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في السن. وتؤكد الدراسات التي أُجريت في إسبانيا ودول أوروبية أخرى على أن النظام الغذائي المتوسطي، وليس أي طعام محدد، هو ما يوفر الحماية. وكما يُشير الباحثون، ينبغي اتباع نهج شامل للوقاية من التدهور المعرفي، يجمع بين نظام غذائي صحي ونشاط بدني وراحة كافية، بالإضافة إلى إدارة عوامل الخطر الوعائية.
